مقاصد الشريعة
في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» الصادر بتونس عن مطبعة الاستقامة سنة 1946، لم يكتفِ محمد الطاهر ابن عاشور بإحياء مبحثٍ قديم من مباحث أصول الفقه، بل حاول إعادة تأسيسه ليصبح علمًا مستقلًّا ومنهجًا عمليًّا للاجتهاد.
وتكمن أهمية هذا المشروع في أنّه واجه سؤالًا لا يزال حاضرًا إلى اليوم: كيف تبقى الشريعة وفيّةً لنصوصها وأصولها، وقادرةً في الوقت نفسه على معالجة واقعٍ يتغيّر، ومسائل لم يعرفها الفقهاء السابقون، ومجتمعاتٍ أصبحت أنظمتها أكثر تركيبًا؟
من هنا لا نهتمّ بابن عاشور لأنه ألّف كتابًا مشهورًا في المقاصد فحسب، بل لأنه قدّم نموذجًا متكاملًا للتجديد من داخل التراث: لا يكتفي بتكرار الأقوال، ولا يهدم البناء الموروث، بل يكشف منطقه، وينقد حدوده، ويستخرج منه أدواتٍ جديدة للفهم والاجتهاد والإصلاح.
وهذه الصفحة مدخلٌ إلى هذا الإسهام: ما المشكلة التي عالجها؟ وما الذي جدّده؟ وكيف حوّل المقاصد من تفسيرٍ لحِكم الأحكام إلى علمٍ يشارك في إنتاجها؟ وأين يقف مشروعه من تاريخ الفكر المقاصدي؟
المشكلة التي عالجها
انطلق ابن عاشور من عقدةٍ عملية خبرها قاضيًا ومفتيًا: أنّ الفقهاء حين يختلفون في فهم النصوص أو تنزيلها لا ينتهون دائمًا إلى مرجعٍ كليّ يحسم النزاع، بل يستمرّ الخلاف لأن أكثر الأدلة التي يتجادلون حولها ظنية الدلالة أو متنازعة التأويل.
ورأى أنّ أصول الفقه، وهو العلم الذي يفترض أن يضبط الاستنباط، لم ينجح في صورته المذهبية المتأخرة في إنهاء هذا الاضطراب؛ لأن كثيرًا من مسائله دار حول دلالات الألفاظ، والقياس على فروعٍ سابقة، والدفاع عن اختيارات المذاهب، أكثر مما دار حول الغايات الكبرى التي تنتظم الشريعة في مجموعها.
لذلك بحث عن مستوى أعمق من النظر: مقاصد عامة ثابتة تُستخرج من استقراء أحكام الشريعة، وتصبح مرجعًا لفهم الجزئيات، والترجيح بين الاجتهادات، والنظر في النوازل الجديدة.
لم يكن هدفه التخلص من أصول الفقه، ولا استبدال النصوص بالمصلحة، بل إضافة علمٍ يكشف الاتجاه العام للتشريع، ويمنع أن تتحول الأحكام الجزئية إلى صورٍ منفصلة عن الغايات التي شُرعت من أجلها.
من هذه الحاجة وُلد مشروع الكتاب.
ما الذي جدّده؟
لم يبتكر ابن عاشور فكرة المقاصد؛ فقد سبقه إليها أئمة كبار، وكان للشاطبي فضل إفرادها بالتدوين في «الموافقات». لكن ابن عاشور نقلها نقلةً نوعية في عدد من الوجوه المترابطة.
جعل المقاصد علمًا مستقلًّا
دعا إلى تدوين مقاصد الشريعة في علمٍ قائم بذاته، له موضوعه ومسائله وطرائق إثباته ودرجات يقينه، لا أن تبقى إشاراتٍ متناثرة في أبواب القياس والمصلحة والعلة. فاستقلال العلم عنده ليس ترتيبًا شكليًّا للمعارف، بل ضرورة للاجتهاد: إذ لا يمكن أن تكون المقاصد مرجعًا حاكمًا ما لم تُضبط مفاهيمها، وتُبيّن وسائل اكتشافها، ويُفرّق فيها بين القطعي والظني.
جعل الاستقراء طريقًا إلى اكتشاف المقصد
لا يُثبت المقصد عنده لأنه معنى جميل، أو لأنه يوافق ما يراه الفقيه نافعًا، بل يُستخرج من تتبّع عدد كبير من أحكام الشريعة وعللها وآثارها. يجمع الباحث الجزئيات المتفرقة، ويلاحظ المعاني المشتركة بينها، ثم يستخلص منها مقصدًا كليًّا. وهكذا يصبح المقصد نتيجةً علمية مبنية على الاستقراء، لا حدسًا شخصيًّا أو شعارًا عامًا.
حوّل المقصد إلى أصلٍ منتج
لم يجعل المقاصد مجرّد تفسيرٍ لاحق للأحكام، بل أراد لها وظيفةً اجتهادية. فإذا ثبت المقصد أصبح أصلًا يُرجع إليه في: فهم النصوص المحتملة، والترجيح بين الأقوال، والتمييز بين الثابت والمتغير، ووزن المصالح والمفاسد، ومعالجة وقائع لم يرد فيها نصّ خاص. فالمقصد عنده لا يصف الشريعة فقط، بل يشارك في استمرار قدرتها على إنتاج الحكم في الواقع المتجدد.
نقل مركز النظر من الفرد إلى نظام الأمة
وسّع مجال المقاصد وراء التصنيف الفردي المشهور لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وجعل «حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه» مقصدًا جامعًا. فالشريعة في نظره لا تحمي مصالح الأفراد منفصلين فحسب، بل تبني مجتمعًا منظمًا. ولهذا اهتم بمقاصد الحرية والمساواة والسماحة، ورواج الأموال، ووضوح الحقوق، ومنع التغرير والاضطراب، وقوة الأمة وانتظام شؤونها.
خصّ المعاملات بعناية مركزية
وجّه القسم الأكبر من مشروعه إلى المعاملات لا إلى العبادات؛ لأن العبادات مبنية في الغالب على مقاصد مستقرة وصورٍ توقيفية، أما المعاملات فتتغير صورها بتغير الأحوال. وهنا تظهر القيمة العملية للمقاصد: فهي تمكّن الفقيه من التمييز بين الصورة التاريخية للحكم والمعنى الذي أرادت الشريعة تحقيقه.
ضبط المقاصد حتى لا تتحول إلى هوى
كان واعيًا بأن توسيع باب المقاصد قد يفتح المجال لكلّ شخص كي يسمّي رغبته مصلحة. لذلك اشترط في المعنى المقاصدي أن يكون ثابتًا، ظاهرًا، منضبطًا ومطّردًا، وميّز بين المقاصد القطعية والظنية. فالتجديد عنده لا يعني التحرر من الضوابط، بل الانتقال من ضوابط الألفاظ وحدها إلى ضوابط أوسع تشمل النص والمعنى والاستقراء والواقع والمآل.
إنّ صلاح نظام الأمّة هو المقصد الأعلى الذي قصد الشارع تحصيله بأحكام الشريعة.
القواعد الكبرى التي بنى عليها
ينتظم مشروع ابن عاشور حول مجموعة من القواعد الكلية التي تتكرر في مختلف أبواب الكتاب.
فالشريعة عنده شريعة الفطرة، أي إن أصولها الكبرى توافق الجبلّة الإنسانية السليمة ولا تصادم ما استقر في الإنسان من حاجات إلى العدل والحرية والنظام.
وهي قائمة على السماحة ورفع الحرج، فلا تجعل المشقة غايةً في ذاتها، ولا تحمل الناس على ما يعطل مصالحهم أو يفسد نظام حياتهم.
والأصل فيها المساواة بين المكلّفين، والحرية في التصرف، ما لم يؤدّ ذلك إلى الإضرار بالغير أو الإخلال بالمصلحة العامة.
أما المصلحة فليست عنده منفعةً عارضة أو رغبةً فردية، بل معنى منضبط يُنظر فيه إلى العموم والخصوص، والغلبة والندرة، والدوام والزوال، وآثار الفعل في الفرد والمجتمع.
وقد نزّل هذه القواعد على مجالات الأسرة والمال والعقود والقضاء والعقوبات، فجاء الكتاب بناءً مترابطًا ينتقل من الأصول النظرية إلى التطبيقات، لا مجموعةً من الشعارات العامة.
أين يقف من تاريخ المقاصد؟
لم يبدأ علم المقاصد مع ابن عاشور. فقد أسهم الجويني والغزالي في تصنيف الضروريات ومراتب المصالح، وعمّق العز بن عبد السلام والقرافي النظر في المصالح والمفاسد والحقوق، ثم جاء الشاطبي فأفرد المقاصد بتدوين واسع في «الموافقات».
وقد أنصف ابن عاشور هؤلاء جميعًا، ولا سيما الشاطبي، لكنه لم يتعامل معهم بوصفهم نهاية العلم. لخّص موقفه بقوله:
«أقتفي آثاره، ولا أهمل مهمّاته، ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره.»
فهو يبني على ما أنجزه السابقون، ثم يعيد ترتيب الأسئلة، وينقد التعريفات، ويوسع مجال المقاصد، ويمنحها وظيفةً أوضح في الاجتهاد المعاصر.
ومن هنا أصبح كتابه حلقةً مؤسسة بين التراث المقاصدي الكلاسيكي والدراسات الحديثة. فقد أفاد منه علال الفاسي ومن جاء بعده، وصارت موضوعاته — استقلال علم المقاصد، وطرق إثباتها، والفطرة، والحرية، والمساواة، ونظام الأمة، ومقاصد المعاملات — محاور أساسية في البحوث المقاصدية المعاصرة.
لماذا نهتمّ بابن عاشور؟
لا تكمن قيمة ابن عاشور في أنه أعاد استعمال كلمة «المقاصد»، ولا في أن كتابه أصبح مشهورًا في الجامعات، بل في أنه واجه واحدةً من أعقد مشكلات الفكر الإسلامي الحديث: كيف يمكن تجديد الفقه من غير قطعٍ مع النص، والوفاء للتراث من غير الارتهان لصورته التاريخية؟
قدّم ابن عاشور جوابًا يقوم على الجمع بين أربعة أمور:
- النص، فلا يُلغى باسم المصلحة.
- المقصد، فلا يُعزل الحكم عن غايته.
- التراث، فيُستأنف ولا يُقدّس.
- الواقع، فيُفهم ولا يُجبر على صورٍ وُلدت في ظروف أخرى.
ولهذا لا يمثل كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية» موضوعًا متخصصًا لطلاب أصول الفقه وحدهم، بل مفتاحًا لفهم مشروع ابن عاشور كله: في التفسير، والإصلاح، والتعليم، والاجتماع، وعلاقته بالتراث والحداثة.
ومن أجل ذلك يُفرد له هذا الموقع مساحةً خاصة: لا للاحتفاء بشخصية تاريخية فحسب، بل لدراسة عقلٍ حاول أن يبرهن أن التجديد يمكن أن يكون عميقًا من غير قطيعة، وأن الانتماء إلى التراث لا يعني التوقف عن التفكير.
استكشف المشروع
اقرأ متن «مقاصد الشريعة الإسلامية» في نسخته الرقمية، وتابع التحليل المنهجي الذي يفكك مفاهيم الكتاب وحججه وتطبيقاته، ويبيّن كيف يبني ابن عاشور المقصد، وكيف يثبت حجيته، وكيف يحوّله إلى أداةٍ للاجتهاد.